المرجة 2 : يوم أسود تمهيداً للحرية
أراد أهالي معتقلين سياسيين في سجون النظام السوري تقديم عريضة لوزير الداخلية السوري يطالبون فيها بإطلاق سراح أبنائهم و أخوانهم من السجون التي دخلوها ظلماً بغير وجه حق، ودون ذنب ارتكبوه سوى أنهم احبوا وطنهم وأخلصوا له الحب. لكن ما أراده الأهالي العزّل إلا من صور أولادهم وأخوانهم لم يرده بلطجية النظام الذين بادروا المجتمعين أمام الوزارة والذين قدّر عددهم بمئتي شخص بهجوم مفاجئ بالعصي والصفع والضرب دون تمييز بين رجل او امرأة
لم يكن ما جرى اليوم في المرجة بدمشق جديداً، بل لقد شهدت هذه الساحة احداثا شبيهة سنة 2005 حين هاجم مجموعة من رعاع اتحاد الطلبة مسلحين بالعصي مجموعة من المتظاهرين المطالبين بإلغاء قانون الطوارئ .
الجديد في رد فعل بلطجية النظام، المفاجئ للكثيرين، أنه كان موجها تجاه عائلات وكان يقصد منه إخافة المجتمع عبر إخافة النشطاء وأهالي المعتقلين بممارسة عنف مضاعف في قمع إعتصام سلمي أمام وزارة الداخلية.
لا يعرف هؤلاء ومن ورائهم اسيادهم أن قوتهم هذه، ليست سوى تعبير عن خوف، وأن القوة في مواجهة المجتمع هي ضعف وأن الناس في سورية قد بدأت تتجاوز موضوع الخوف
كما لا يعرفوا أن ما صنعوه اليوم في المرجة قد يكون نقطة تحول في نظرة الشارع لهم، لاسيما حينما يتم التعامل مع النساء بهذه الوحشية غير الأخلاقية وغير المبرّرة أبداً. إضافة لتعاملهم غير المسبوق الوحشي وغير الأخلاقي أيضاً مع مفكر مثل طيب تيزيني تمّ جره في الشارع كمجرم وضرب رأسه بعمود كهرباء.
هذا مما يولّد نقمة مضاعفة من المجتمع تجاه السلطة. ويعري النظام أمام المجتمع المحلي والعربي والدولي. يعري تحديدا الرئيس الذي كان يدّعي او يسوّق كمثقف يحترم الثقافة والمثقفين ويدعوا أكثر من مرة للحوار معهم.
إعتقال عائلة بكاملها كعائلة اللبواني فعل انتقام تجاه مناضل حقيقي هو الدكتور كمال اللبواني الذي أعلن من سجن عدرا إضرابه عن الطعام بعد أن وزّع حاجياته واكتفى ببطانية وفراش ، أعطى إدارة السجن مهلة شهرين ليخرج
لم ينج من همجية الرعاع الذين واجهوا اعتصام سلمي حضاري في المرجة بدمشق لم ينج كمال شيخو الذي لم يكمل يومين في الحرية بعد إطلاق سراحه لتتم محاكمته طليقاً .
حتى الأطفال لم ينجو من همجية الرعاع: طفل في التاسعة يعتقل بعد أن يصفعه رجل أمن، أيضاً لم تنج أم حامل من أيديهم اعتقلوها بدم بارد.
لو علم هؤلاء البلطجية الحشّاشين ما كان مصير زملائهم في استعصاء صيدنايا لتحولوا إلى أرانب .
هذا اليوم علامة سوداء في تاريخ النظام السوري ، فهو يختصر في همجية السلوك وتوزع الإعتقال ليشمل جميع شرائح المجتمع السوري بلا تمييز بين طفل وشيخ وشاب وصبية ومفكر وطالب جامعي. يختصر رغبة وغاية واحدة هي إخافة المجتمع السوري الآخذ بالحراك وتوجيه رسالة قوية تجاهه مفادها أن النظام لن يتهاون في اعتقال كل الشرائح التي تفكر بالتحرك والنزول إلى الشارع.
موجّه خصوصاً إلى أهالي المعتقلين باعتبارهم جزءاً من المجتمع الذي كان غائباً عن الحراك السياسي، وضربة استباقية لهذا القطاع الإجتماعي كي لا يفكر مجرد تفكير بالٌإقدام على مزيد من الخطوات .
لكن يفوت القائمين عل هذا العنف الوحشي أن الزمن الذي كان فيه الخوف يشل الناس قد مضى، وأنه كلما ازدادت درجة العنف الموجّه ضدهم كلما اقتربت ساعة الثورة وساعة الإشتباك .
قد يكون للعنف مفعولاً مخيفاً في المدى القريب، لكنه ينقلب بعد حين على ذاته فيكون سبباً يقرّب الخلاص أكثر ويجعل الناس أكثر نقمة، أكثر شجاعة ومقدرة على التحرك.
ما حصل يوم 16 آذار في المرجة لا يعني ان النظام في دمشق قوي، وأنه يضبط الأمور جيداً، على العكس يعني أنه نظام مازال يعيش في الماضي وأن الخوف يعميه عن فهم ما يجري من تحولات استراتيجة في المنطقة العربية لاسيما على المستوى الإجتماعي والسياسي.
ويعني أن الثورة الإجتماعية قادمة والمسألة هي مسألة وقت ليس أكثر .



